17‏/03‏/2011

جيفارا..أهدى حياته قربانا لثورة الشعوب!!

رجل أهدى حياته قربانا لثورة الشعوب

"حياة الإنسان الفرد أعظم من كل ممتلكات أغنى أغنياء الأرض... الإحساس بالفخر لأنك خدمت جارك أكثر أهمية بكثير من مكافأة طيبة على العمل ذاته.  والشيء الملموس أكثر والشيء الأبقى من كل الذهب الذي قد يجمعه الفرد هو امتنان الناس له".
في ذكراه الأربعين يطل علينا بوجهه الذي يشبه قراصنة البحار في الأفلام القديمة..  بحار يرى هدفه من وراء الغيوم ورغم الصعاب.. بحار أدرك أن الثورة هي ملاذ الشعوب الساعية نحو الخلاص من الذل والقهر.
محيط – سميرة سليمان
إنها الذكرى الأربعين لأيقونة الثوار الأشهر في العالم الثوري الكوبي الأرجنتيني المولد ارنستو جيفارا الذي حاولنا أن نقلب في صفحات حياته المثيرة لنتعرف علي مغامراته .. جنونه .. أحلامه .. صعلكته.. ألمه من الوجوه التي مر عليها..
من دفتر الطفولة
"علمت أنه حين تشق الروح الهادية العظيمة الإنسانية إلي شطرين متصارعين، سأكون إلي جانب الشعب، أعلم هذا، أراه مطبوعا في سماء الليل، أرى نفسي قربانا في الثورة الحقيقية، المعادل العظيم لإرادة الأفراد. أشعر أن أنفي يتسع ليستنشق الرائحة اللاذعة للبارود والدم وموت العدو أفعم جسدي بعزم فولاذي وأعد نفسي للمعركة".
كان العالم علي موعد لميلاد ارنستو جيفارا دي لا سيرنا في14 مايو 1928 الذي أصيبت رئتيه بالربو عندما بلغ العامين من عمره الأمر الذي أبعده عن التجنيد العسكري، وكانت والدته في حرصها على حياته، تلف جسده بالقطن ، خوفا من الشمس والرطوبة والهواء .

كان أبوه مهندسا معماريا وكانت والدته بريطانية الأصل، وعندما اعتقلت الشرطة الأرجنتية والدته وهو في الرابعة عشرة من عمره، كانت صدمة قاسية أن يرى أمه التي أمضت السنوات وهي تلازمه لحظة بلحظة خوفا علي صحته وتسهر الليالي قربه تصبح فجأة سجينة القضبان وتعذب علي أيدي بعض القساة دون أن يستطيع أن يفعل شيئا، ومن هنا أدرك معنى الظلم وشعر كم هو قاس أن يكون مظلوما، وبعد فترة قصيرة تم الافراج عن والدته.

تلقى تعليمه الاساسي بالبيت على يد والدته سيرينا لاسيليا دي، وتعلم اللغة الفرنسية إلي جانب الإسبانية كان جيفارا منذ صغره قارئا لماركس ، انجلز وفرويد حيث توافرت الكتب في مكتبة ابيه بالمنزل .
أجمعت آراء من اقتربوا منه أنه كان يحمل داخله تناقضا عجيبا بين الجرأة والخجل، وكان دافئ الصوت عميقه، كما كان جذابا وفوضوي المظهر كذلك.
اضطرت العائلة إلى ترك العاصمة والانتقال إلى مكان أكثر جفافا؛ لأجل صحة الفتى العليل، وفي أثناء ذلك كان اللقاء الأول بين أرنستو والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدني في أمريكا اللاتينية.
أنا للثورة ولست للطب
في مارس 1947 عادت الأسرة إلى العاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب، وعند نهاية المرحلة الأولى لدراسته حين كان في الحادية والعشرين من عمره قام بجولة طويلة استمرت حوالي 8 أشهر على الدراجة البخارية نحو شمال القارة مع صديقه "البيرتو جرنادو" علي دراجة نارية لإصطياد الفراشات حيث بدأت هذه الرحلة في أكتوبر 1951 حين أقر ارنستو وصديقه جرانادو خطة لقيادة الدراجة النارية التي كان يسميها جيفارا "الجبارة الثانية"، وكان خط الرحلة من أمريكا اللاتينية إلي بلدان عدة منها: بوليفيا، بيرو، الاكوادور، بنما، كوستاريكا، وجواتيمالا، وعايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال وفهم طبيعة الاستغلال الذي يعانيه شعوب الدول المضطهدة وكيف يستغل الرأسمالي حاجة الفقراء ويخضعهم تحت تصرفهم.
بعدها أدرك أن مهنته الحقيقية ليست الطب .. ويعود جيفارا إلى المنزل ، ويقول لوالده انه لن يمارس الطب ، ولن يفتح عيادة ، ولن يستقبل الزبائن ، ولن يتزوج ويستقر في بيت هادئ ، ولن ينجب الاطفال بل سيرحل .
- سأله والده إلي اين؟
- الى أي مكان ، اجاب ارنستو ، لا الحدود تعني لي شيئا ولا الأوطان ولا الأنظمة ولا القواعد الاجتماعية ولا القوانين . الذي يهمني ، هو ان في العالم ناس تأكل وتهضم، والناس تجوع ولا تعرف أن تهضم .
- يبدو انك متعب قال الوالد . استرح ، وغدا نتحدث من جديد.
ونام ارنستو تلك الليلة وفي الصباح غادر المنزل .
منذ ذلك اليوم ، بعدما صفق والده الباب وراءه بغضب وحزن، حين قال له " ان حياته الحقيقية تبدأ وراء الحدود " أبي جيفارا ان يستريح إلا بعد أن يزيل الهموم عن الفقراء المتعبين.
سافر عام 1953 الى كولومبيا ليتعرف على الثورة التي كانت مشتعلة فيها وعلى أهداف هذه الثورة وأساليبها , ثم هاجر الى المكسيك التي كانت ملجأ للثوار الأمريكان اللاتينيين من كل مكان.
 وفي عام 1955 قابل "هيلدا" المناضلة اليسارية من "بيرون" في منفاها في جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، وهيلدا هي التي جعلته يقرأ للمرة الأولى بعض الكلاسيكيات الماركسية، إضافة إلى لينين و تروتسكي و ماو.

اعتنت (هيلدا) به و قدّمته لـ (نيكو لوبيزا) احد ملازمين (فيديل كاسترو) الذي كان في ذلك الوقت يقوم بالهجوم على قلعة موناكو وفشل هجومه وسجن وحوكم وألقى دفاعا في المحكمة هو بمثابة برنامج سياسي , مما أدى بأرنستو جيفارا لأن يعجب بكاسترو ومحاولاته الثورية , ويتشوق للتعرف اليه واللقاء به , وهذا ما تحقق عام 1955.

الرفيقان

"إن من يعتقد أن نجم الثورة قد أفل فإما أن يكون خائنا أو متساقطا أو جبانا, فالثورة قوية كالفولاذ, حمراء كالجمر, باقية كالسنديان عميقة كحبنا الوحشي للوطن."
كان قيام الانقلاب العسكري في كوبا في 10 مارس 1952 سبب تعارف جيفارا بفيدل كاسترو الذي يذكره في يومياته قائلا: "جاء فيدل كاسترو إلى المكسيك باحثا عن أرض حيادية من أجل تهيئة رجاله للعمل الحاسم".. وهكذا التقى الاثنان، وعلى حين كان كاسترو يؤمن أنه من المحررين، فإن جيفارا كان دوما يردد مقولته: "المحررون لا وجود لهم؛ فالشعوب وحدها هي التي تحرر نفسها".
اتفق الاثنان على مبدأ "الكف عن التباكي، وبدء المقاومة" وخططا معا لغزو كوبا وتحريرها من الديكتاتور باتيستا من خلال حملة من 82 ثائرا أقلعوا إلى كوبا على سفينة جرانما ومن يومها سميّ ارنستو جيفارا بـ " تشي" أي "الرفيق".

ويروي جيفارا في كتابه " ذكريات الحرب الثورية " قصة المعركة الأولى التي هزم فيها الثوار ، وهي معركة " الجيريادي بيو " التي مهدت لانتصار الثورة في كوبا .

يقول جيفارا :
" في  يناير 1956، بعد تعرض ياخت " جراما " للهجوم ومقتل معظم الرجال، ولجوئنا الى الجبال " سييرا مايسترا "، اكتشفت قوات باتيستا المكان الذي نختبئ فيه، وهو مكان يعرف باسم " اليجريادي بيو " .
" كنا مرهقين بعد رحلة طويلة مؤلمة، وان شئت الحقيقة، فقد كانت رحلة مؤلمة أكثر منها طويلة ، مشينا ساعات لا تحصى عبر البرك والمستنقعات . وكنا نرتدي أحذية جديدة ، وكنا جميعا قد أصبحنا مصابين ببثور والتهابات في أقدامنا. ولم تكن أحذيتنا الجديدة والنباتات الفطرية هي عدونا الوحيد على أية حال .
وكان كل ما بقي من معداتنا الحربية هو بنادقنا، وأحزمة الطلقات وكمية صغيرة من الذخيرة المبللة. و كانت مئونتنا الطبية قد اختفت، وتركنا "جربندياتنا " في المستنقعات و كنا قد قضينا الليلة السابقة في احد حقول القصب التابعة لمصنع نيكويرو للسكر .
استطعنا أن نهدئ من حدة جوعنا وعطشنا بمص أعواد القصب . ولم يكن الحراس الذين يبحثون عنا في حاجة إلى أي أثر ليتعقبوا خطواتنا على أية حال .
فقد كان الرجل الذي عمل مرشدا لنا قد خاننا وكشف امرنا كما اكتشفنا فيما بعد .
لقد تركناه يذهب وهذا هو خطأ ارتكبناه عدة مرات في كفاحنا الطويل حتى تعلمنا انه لا ينبغي عندما نكون في مناطق خطرة، ان نثق في اشخاص مدنيين نجهل سجلهم الشخصي .
عندما طلع علينا صباح يوم 5 يناير كنا لا نكاد نقوى على السير وعلى شفا الانهيار، وعند الظهر بدأنا نلاحظ علامات نشاط غير عادي . لقد بدأت طائرات السلاح الجوي من طراز "بايبر" مع نوع آخر من الطائرات الصغيرة ، إلى جانب طائرة خاصة ، تحوم فوق المكان الذي نختبئ فيه .
اشتعلت المعركة ولم يسلم من الثوار سوى عشرين ثائرا إستطاعوا الوصول الى جبال سيرامايسترا التي تضم أفقر فلاحي كوبا, وانطلقت ثورتهم من هناك, وأخذت تحقق النصر تلو الآخر, إلى أن دخل جيفارا العاصمة هافانا في اليوم الأول من عام 1959 قبل ان يدخلها كاسترو, وهرب باتيستا ونجحت الثورة الكوبية.

جيفارا وزير !!

وبعد نجاح الثورة عين جيفارا سفيرا متجولا للثورة الكوبية, وزار العديد من البلدان الغير منحازة والتقى بقيادتها مثل عبد الناصر في مصر ونهرو في الهند وتيتو في يوغوسلافيا وسوكارنو في اندونيسيا, كما زار ايطاليا واليابان وباكستان وغيرها .عين جيفارا رئيسا للمعهد الوطني للأبحاث الزراعية ثم عين وزيرا للصناعة ورئيسا للمصرف المركزي عام 1961، عقد هو وكاسترو تحالفا مع الإتحاد السوفياتي.
ويذكر التاريخ لجيفارا وهو وزير الصناعة بكوبا حديثه ولقاءه مع إحسان عبد القدوس الذي بادر جيفارا قائلا: إنك خدعتني عندما لقيتك في كوبا وسألتك هل أنت شيوعي فأجبت: أنا اقتصادي وضحك جيفارا وبدأ يروي الخطوط الرئيسية لتجربة التطبيق الاشتراكي في كوبا، حيث اكد انهم في بداية الثورة لم تكن توجههاتهم ماركسية ولكن ثورة ضد الاستعمار الأمريكي وثورة ضد الاستبداد وثورة من أجل حق الانسان في الوجود.
وعن موقف كوبا من النزاع بين الاتحاد السوفيتي والصين يقول جيفارا : إننا مع موسكو ببطوننا ومع بكين بعقولنا.
ويصف جان بول سارتر طريقة عمل جيفارا ، اثناء زيارة قام بها الى كوبا فيقول : ان الليل لا يدخل الى مكتب جيفارا . ولا يبدو النوم بالنسبة اليه حاجة طبيعية ، وانما كان روتينا يحاول القضاء عليه والتخلص منه . ولا ادري متى يرتاح جيفارا ولا متى يرتاح رفاقه .
ومن خلال مناصبه تلك قام الـ"تشي" بالتصدي بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار، وهو ما جعل كوبا تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي وقتها.
نزاع الأشقاء
لأن الأمور لا تسير علي نمط واحد دائما، فإن اختلافا في وجهات النظر بدأ بين جيفارا وكاسترو بسبب انحياز كاسترو بشدة إلى الاتحاد السوفيتي، ومهاجمته باقي الدول الاشتراكية، وهو الأمر الذي رفضه جيفارا بالإضافة إلي اصطدام الأخير بالممارسات الوحشية والفاسدة التي كان يقوم بها قادة حكومة الثورة وقتها، والتي كانت على عكس ما يرى في الماركسية من إنسانية..
كره تشي اتكال الثورة الكوبية على الاتحاد السوفيتي، واستمر في ابتكار وسائل أخرى للحصول على التمويل وتوزيعه.  ولأنه الوحيد الذي درس فعلا أعمال كارل ماركس بين قادة حرب العصابات المنتصرين في كوبا ، فانه كان يحتقر البيروقراطيين ومافيا الحزب الذين صعدوا على أكتاف الآخرين في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وفي كوبا أيضا.
ثورة علي المنصب
"التاعسون هم مصدر القوة في العالم".
يقول جيفارا أنّه سيبحث عنهم وسيثور من أجلهم ثم يضيف: "إنّ الثورة تتجمّد، والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي ويبدأون بناء ما ناضلت من أجله الثورة. وهذا هو التناقض المأساوي في الثورة: أن تناضل وتكافح وتحارب من أجل هدف معيّن، وحين تبلغه، وتحقّقه، تتوقّف الثورة وتتجمّد في القوالب. وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلي".

 فقرر الـ"تشي" مغادرة كوبا متجها إلى الكونغو الديمقراطية (زائير)، وأرسل برسالة إلى كاسترو في أكتوبر 1965
وبعد أسابيع قليلة من "رسالة الوداع" إلى كاسترو، كتب جيفارا رسالة إلى والديه يقول فيها: "منذ عشر سنين، رحلتُ للمرة الأولى عنكما، وما زالت "صفقة" الباب القوية ترنُّ في أذني. واليوم أرحل للمرة الثانية عنكما، وعن البلد الذي أحببت، وعن الزوجة والأولاد والأصدقاء، لأنّني شعرت الشعوب ذاته الذي انتابني منذ عشر سنين تقريباً: إنَّ حبّي الحقيقي، الذي يرويني ليس حبّ الوطن والزوجة والعائلة والأصدقاء، إنّه أكبر من هذا بكثير، إنّه الشعلة التي تحترق داخل الملايين من بائسي العالم المحرومين، شعلة البحث عن الحرية والحقّ والعدالة".
"قد تكون هذه الرسالة، الأخيرة، لكنّني أودّ أن أقول لكما شيئاً واحداً: لقد أحببتكما كما لم يحبّكما أي إنسان، لكنّني عجزتُ عن إظهار هذا الحبّ، ربّما لأنّني قاسٍ في تصرّفاتي، مع نفسي ومع الآخرين، وأعتقد أنّكما لم تفهماني معظم الأحيان. وأعترف بأنّه ليس من السهل أن يفهمني أحد".
"لوالدتي أقول: لا تخافي، إنَّ إرادتي القوية، والشعلة التي تحرقني باستمرار، ستكونان العكاز التي سيسند قدميَّ الضعيفتين ورئتي المتعبة وصدري الذي يزفر".
"أرجو منكما شيئاً واحداً: أن تتذكّرا دائماً ولدكما التائه الذي يطوف الجبال والأدغال والأودية في أصعب الظروف وأدقّها لأنَّ شيئاً ما يتململ في داخله ويجعله متيقّظاً تجاه الآخرين، ملايين التاعسين في العالم".
وذهب "تشي" لأفريقيا مساندا للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بالـ"تشي" في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة.
بعد إقامة قصيرة في كوبا إثر العودة من زائير اتجه جيفارا إلى بوليفيا التي وجد فيها نقطة انطلاق لحرب ثورية مناهضة للتوسع الأمريكي وتساهم بنشر الاشتراكية في العالم أجمع.

أمل تحرير الشعوب
"إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني"
لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة.
وافق فيديل كاسترو على مساعي جيفارا، فقدم له الدعم اللازم، وساعده في تقديم كل ما يلزم لمتابعة مسيرته الثورية على طريقته. فانتحل جيفارا هوية رجل أعمال من الأوروجواي وتوجه إلى بوليفيا .
ولكن المصاعب أخذت تتوالى على مشروعه الهائل، عندما وصل جيفارا إلى هناك مع رجاله يبحثون عن مجندين، لم يجدوا إلا قلة وقفت معهم نتيجة الحملات الدموية التي أعلنتها الحكومة المؤيدة للولايات المتحدة هناك ، كما ساهمت الدسائس الأمريكية في خلق نزاعات في أوساط اليساريين أنفسهم. 
وقد قام "تشي" أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر 1966 و7 أكتوبر 1976 بكتابة يوميات المعركة.
وعن هذه اليوميات يروي فيدل كاسترو: "كانت كتابة اليوميات عادة عند تشي لازمته منذ أيام ثورة كوبا التي كنا فيها معا، كان يقف وسط الغابات وفي وقت الراحة ويمسك بالقلم يسجل به ما يرى أنه جدير بالتسجيل، هذه اليوميات لم تُكتب بقصد النشر، وإنما كُتبت في اللحظات القليلة النادرة التي كان يستريح فيها وسط كفاح بطولي يفوق طاقة البشر".
نظرته للشيوعية
"الشيوعي هو آخر من يأكل وآخر من ينام وأول من يموت"
 مضيفا: "إن الاشتراكية الحقيقية هي حين يصبح ضمير كل فرد هو الضمير الجماعي ، والضمير الجماعي هو ضمير كل فرد . ويتطلب ذلك بناء جديا وعميقا وطويل المدى".
ارتباط تشي بالفقراء والمنبوذين في كل مكان، ورفضه الاعتراف بقداسة الحدود القومية في الحرب ضد إمبريالية الولايات المتحدة، ألهمت الحركات الراديكالية الجديدة في العالم كله. 
كانت القاعدة الماركسية الأساسية التي تحكمه: "من كل حسب قدرته إلى كل حسب احتياجه"، لم تكن شعارا يرفعه فقط بل كانت ضرورة عملية ملحة يجب تطبيقها على الفور.
استشاط البيروقراطيون الروس غيظا، من اتجاه جيفارا القائل بـ "خذ ما تحتاجه، ولا تشغل بالك بكيفية سداده".  فقد نبهوا فيدل بضرورة السيطرة على تشي وشددوا بضرورة إصدار لوائح لتنظيم التوزيع "الأمثل" للتمويل.
وضع تشي وجهة نظره  في خطاب قائلا:
"لقد زرت لحد ما، كل بلاد أمريكا اللاتينية، ما عدا هايتي وسانتو دومينجو. وكانت الظروف التي أحاطت بترحالي، في
"يجب البدء في محو كل مفاهيمنا القديمة.  يجب ألا نذهب للناس ونقول لهم، ها نحن قد جئنا.  لنتفضل عليكم بوجودنا معكم، لنعلمكم علومنا، لنظهر لكم أخطاءكم، وحاجتكم للثقافة، وجهلكم بالأشياء الأولية".  يجب أن نذهب بدلا من ذلك بعقل فضولي وروح متواضعة لننهل من هذا المعين العظيم للحكمة الذي هو الشعب.
"نحن في حاجة غالبا لتغيير مفاهيمنا، وليس فقط المفاهيم العامة، الاجتماعية أو الفلسفية، ولكن في بعض الأحيان الطبية أيضا.
سوف نرى أن الأمراض لا تحتاج دائما إلي طرق تدخل علاجية كالتي تستخدم في مستشفيات المدن الكبيرة.  سوف نرى أن الطبيب يجب عليه، على سبيل المثال، أن يكون أيضا فلاح ويزرع أطعمة جديدة ويحصدها، لرغبته في استهلاك أطعمة جديدة، وتنويع الهيكل الغذائي الذي هو محدود جدا، وفقير جدا".

"إذا ما خططنا لإعادة توزيع ثروة هؤلاء الذين لديهم الكثير جدا لنعطي هؤلاء الذين لا يمتلكون شيئا؛ لو نوينا أن يصبح العمل مبدعا يوميا، مصدرا ديناميكيا لكل أسباب سعادتنا، فمن ثم نحن لدينا أهداف نسعى نحوها".
هكذا كانت رؤية جيفارا التي دفعت كاسترو لإصدار قانون الإصلاح الزراعي في كوبا، حيث كان جيفارا يقول : أن الإصلاح الزراعي هو حجر الزاوية في أية ثورة ، كما قامت عمليات التأميم في كوبا لتضع حدا للنفوذ الأجنبي.
ويصف رينيه دومون جيفارا، في الكتاب الذي خصّصه عن كوبا، فيقول: "إنَّ "تشي" كان يحكم بقسوة على النجاح الصناعي في الاتّحاد السوفياتي فيقول: "كلّ الناس تعمل وتكدّ وتنشط لتتجاوز نفسها، لكنّ الهدف الوحيد هو الربح. وأنا ضدّ الربح، ومع الإنسان. ماذا يفيد المجتمع، أي مجتمع، إذا ربح الأموال وخسر الإنسان؟"

ثائر حتى الموت
"أتدري كيف اتمنى ان أموت؟ كما تمنى قصة بطل "جاك لندن " ادرك انه سيتجمد حتى الموت في أراضي الاسكا البيضاء المقفرة، فاستند بهدوء الى شجرة، واستعد لمواجهة الموت بصمت وكبرياء . كم اتمنى الآن لو استريح على جذع شجرة، ليهدأ الزفير داخلي، وأموت ، بعد ان أفرغ رصاص بندقيتي في الجنود القادمين من وراء هذه الأشجار".
هكذا قال جيفارا لرفيق له كان يقاتل بجانبه في الأدغال، والرصاص ينهال عليهما

لأنه كان صداع في رأس أميركا أنشأت وزارة الدفاع الاميركية سنة 1949 بابا جديدا بمدرستها الحربية وسلمتها للجنرال بورتر في باناما لتدريب الجنود على أصول وأساليب حرب العصابات ، لمواجهة موجات الثوار في أميركا اللاتينية.
كان هؤلاء الجنود ، المدربون على ايدي - القبعات الخضر وهو اللقب الذي يطلق على مدرسة باناما - هم الذين يطاردون جيفارا، لايقاعه والقضاء عليه.

واستمرت هذه العملية شهورا، حتى جاء شهر أكتوبر، فإذا بالجنرال بارينتوس يعلن للصحافيين ان القوات المسلحة تحاصر جماعة من رجال العصابات وعلى رأسها القائد "رامون" وهو احد اسماء جيفارا المستعارة. لكن القوات لم تستطع ان تقبض الا على ثائرين من رجال " رامون " فاعترفا تحت قسوة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار. فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد. ويبدو ان جيفارا كان علي حق حين ردد: "ما يؤلم الإنسان هو أن يموت على يد من يقاتل من اجلهم"
وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته وضاع مخزن مسدسه وهو ما يفسر وقوعه في الأسر حيا.
نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيراس"، وبقي حيا لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه. وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" التعليمات بإطلاق النار على "تشي".
دخل ماريو عليه مترددا فقال له "تشي": "أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل" ولكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته.
وتقول بعض الروايات البوليفية عن موت جيفارا، ومنها رواية القائد الأعلى للقوات البوليفية الجنرال الفريدو اوفاندو، ان جيفارا قال قبل وفاته، وهو في ساعات احتضاره الأخيرة: " انا "تشي" جيفارا. لقد فشلت ".

وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزارا للثوار من كل أنحاء العالم.
 نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية صور عن إعدام تشي جيفارا. وتمثل هذه الصور آخر لحظات حياة هذا الثوري الأرجنتيني قبل إعدامه بالرصاص ببوليفيا، في 9 أكتوبر من عام 1967. وتظهر الصور كيفية أسر تشي جيفارا، واستلقائه على الأرض، وعيناه شبه المغلقتان ووجهه المورم والأرض الملطخة بدمه بعد إعدامه.
 كما تنهي الصور كل الإشاعات حول مقتل تشي جيفارا أثناء معارك طاحنة مع الجيش البوليفي.

قال جيفارا في البيان الثوري الذي وزعه في ابريل 1967 :" لا يهمني متى واين سأموت
لكن يهمني ان يبقى الثوار منتصبين ، يملأون الارض ضجيجا ، كي لا ينام العالم بكل ثقله فوق اجساد البائسين والفقراء والمظلومين" .
لكنه لم يحقق امنيته التي أعلنها لصديقه .. لم يمت وهو مستند إلى الشجرة ، بل سقط  في واد صغير ضيق، بتسع رصاصات، والتقطوه وحملوه ووضعوه على طاولة عالية، ثم قالوا للصحافيين والمصورين والعالم أجمع :
" هذا هو "تشي" جيفارا. لقد انتصرنا عليه."
مع انتشار نبأ موته، انتشرت حشود الهنود والفلاحين على الطرقات تودعه. وعرض القتلة جثته في غرفة غسيل تابعة لإحدى المستشفيات المحلية.
مساء الاحد 15 أكتوبر ، يقف فيديل كاسترو، رفيق تشي في النضال، ويعلن في خطاب دام ساعتين وبلهجة حزينة : اننا متأكدون تماما من موت جيفارا، لقد درسنا جميع الوثائق التي تتعلق بموته : الصور، فقرات يومياته التي نشرت، الظروف التي رافقت لحظاته الاخيرة وتأكدنا للأسف أن تشي مات فعلا .. لكن النضال سيستمر بعد موت تشي والحركة الثورية لن تتوقف.

عام 1997 عثر على رفات جيفارا في فاليجراندي , وتم نقله الى كوبا في يوليو, من نفس السنة.. اعلنت كوبا عام 1997 عاما, لذكرى تشي جيفارا.

جيفارا بعيون مختلفة
في ذكراه الأربعين انفردت مجلة "إكسبريس" الفرنسية بتقديم صورة أخري لجيفارا تختلف تماما عن صورته التقليدية التي تربعت داخل قلوب الملايين .. الصورة الجديدة لجيفارا  رسمها وحددها عدد من زملاء جيفارا الذين اقتربوا منه منذ بداياته هؤلاء "الزملاء" هم من الكوبيين الذين كانوا مع ثوار كوبا بزعامة الثائر الأكبر فيديل كاسترو وتحت قيادة الثائر الأعظم أرنستو جيفارا ثم اختلفوا معهما، وآثروا الابتعاد أو اللجوء إلي الولايات المتحدة .
أحدهم يدعي "لوسيانو ميدينا" 81 عاما وعمل "مراسلة" بين فيديل كاسترو وأعوانه يقول أ، "جيفارا" كان عنيفا وحادا ويسيء معاملة الجميع. والأخطر من ذلك أن جيفارا كان يقتل، أو يأمر بالقتل، بمنتهي السهولة وكأنه يشرب كوبا من الماء!
أما "أوجستين سوبريرون" 81عاما كان أول صحفي يحصل علي تصريحات خاصة مع "كاسترو" و"جيفارا" فمن رأيه أن جيفارا عجز عن كسب محبة المواطنين الكوبيين الذين يجدونه مختلفا عنهم فهو "غامض"، و"متحفظ"، و"متعجرف"، و"غير صريح"..
ويروي الصحفي الكوبي ما شاهده يوم انتصار الثورة الكوبية، وكيف أن رئيسها كاسترو أصدر قرارا بتعيين جيفارا قائدا ومسئولا عن ال "كابانا" قلعة تاريخية تحوٌلت إلي أكبر السجون الكوبية وأبشعها ، ثقة من كاسترو في صرامة وعدالة صديقه جيفارا في تأمين البلاد من أعداء الثورة.
وادعى الصحفي أن جيفارا الذي كان يكره الظلم والظالمين، هو نفسه الذي أرسل المئات من المحتجزين إلي ساحة الإعدام، دون الاستماع إلي دفاعهم، ولا التأكد من إدانتهم! وقيل أنه خلال الفترة القصيرة التي تولي فيها منصبه من3يناير إلي26نوفمبر1959 دخل التاريخ باعتباره "أكبر قاتل جزار للثورة الكوبية" ولا ينافسه في ذلك غير"راؤول" شقيق الرئيس فيديل كاسترو!
ويؤكد الشهود أن زنازين ال "كوبانا" كانت ممتلئة بنحو900معتقل في فترة ولاية جيفارا، حيث كان يصدر أوامر الإعدام بشكل شبه يومي ضد أناس بعضهم لا شأن لهم بجرائم العهد البائد، وإنما لأنهم كانوا من المعارضين السياسيين السلميين!

حي بذاكرة الشعوب

"إن الطريق مظلم وحالك فإذا لم تحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق"
 تحولت المدرسة التي نقل إليها جثمان جيفارا إلى مزار يجذب السياح والزائرين، 
وأقيم فيها نصب تذكاري تخليدا لذكرى الرجل الذي أراد أن يشعل الثورة الاشتراكية
في عموم أمريكا اللاتينية.
في نفس تلك البقعة التي قتل فيها جيفارا ينتصب حجر تذكاري نقشت عليه الكلمتين التاليتين :تشي حي"!
وفي كوبا ومنذ موت جيفارا يبدأ التلامذة يومهم بأداء قسم "من أجل الشيوعية" سنكون مثل التشي.

http://www.futuresons.com/

جيفارا وقت الرحيل

المرة الأولى كطالب، وفيما بعد كطبيب، سببا في تعرفي عن قرب بالفقر، والجوع، والمرض؛ بالعجز عن علاج طفل بسبب الحاجة إلى المال؛ بظلام العقول الذي يخلقه الحرمان المستمر والمعاملة القاسية، لتلك الدرجة التي يستطيع الأب فيها أن يقبل موت احد أبنائه كأمر عادي غير مهم، كما يحدث غالبا في الطبقات السفلى في أمريكا موطننا الأم .  بدأت وقتها إدراك أن هناك أشياء كانت في الأهمية بالنسبة لي مساوية لان أصبح عالما مشهورا أو مساوية لتقديمي مساهمة كبيرة في العلوم الطبية: أدركت أنني ارغب في مساعدة هؤلاء الناس".
تخلى فيها نهائيا عن مسئولياته في قيادة الحزب قال فيها:
"هناك أماكن أخرى في العالم بحاجة إلى جهودي المتواضعة. وأستطيع أن أحقّق ما لا تستطيعه أنت، بسبب مسئوليّتك في كوبا. سأنقل إلى ساحات النضال الجديدة الروح الثورية التي هي أقوى سلاح في وجه القوى الأمريكية المسيطرة.
جيفارا مع عبد الناصر والسادات


جيفارا مع والدته

جيفارا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق