13‏/03‏/2011

الديمقراطيون الطغاه!!

عقب تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، مطلع الشهر الحالي، والذي أشار إلى "أن مسؤولين في جهاز الأمن السوداني مارسوا أشكالاً قاسية من التعذيب البدني والاعتداء الجنسي على أعداد كبيرة من السودانيين الشباب عقب احتجاجات" الشهرين الماضيين، كان أهم وأوضح ما تضمنه الدفاع المتلعثم للناطق باسم السفارة السودانية في لندن، هو أن بلاده ستنظم مؤتمراً لنصرة القدس (عُقد فعلاً الأسبوع الماضي).
قبل ذلك، كان الرئيس اليمني يواجه المحتجين على حكمه زعيماً أوحد منذ العام 1978، باتهام هؤلاء بأنهم أدوات يتم تحريكها من واشنطن وتل أبيب، قبل أن يعود للاعتذار للأميركيين لا لمواطنيه!
ليس مهماً أبداً السؤال البدهي الأول كيف أن نظاماً قسّم بلده وقطّع أوصاله ومايزال، يستطيع أن ينتصر للقدس وفلسطين. تماماً كما أنه ليس مهماً كيف أن نظاما "يسمح" للأميركيين باستباحة أرضه وسمائه تحت مسمى مكافحة الإرهاب، يعود ليرمي معارضيه بتهمة العمالة والخيانة للأميركيين ذاتهم. المهم فعلاً، والذي يجسد واحداً من أكثر جذور الاستبداد رسوخاً في العالم العربي، هو كيف كان ومايزال سهلاً استغلال القضية الفلسطينية، وضمنها العداء لإسرائيل وأميركا، في سبيل تأمين تواطؤ الأغلبية الساحقة من القوى العربية الإسلامية والقومية واليسارية (الخارجية)، لنزع الشرعية عن المعارضة الوطنية (الداخلية)، وتمكين الحكام "الوطنيين" من إعمال سياسة الأرض المحروقة في بلدانهم ولا شيء سواها! تواطؤ لا يكتفي بالصمت على "تحرير" الإنسان العربي من إنسانيته قبل حياته، بل يمتد إلى الدفاع علناً عن الجرائم " الوطنية" بحكم هوية ضحاياها.
هكذا، يبدو صحيحاً تماماً القول إن الجريمة التي ارتكبها زين العابدين بن علي وحسني مبارك لم تكن، بأي حال من الأحوال، الاستبداد بشعبيهما ونهب ثرواتهما. جريمتهما الوحيدة، من زاوية رؤية تلك القوى، هو عدم استثمارهما صك غفران الاتجار بالقضية الفلسطينية الذي كان سيَجُبُّ كل ما تقدم من جرائمهما وما تأخر بحق الشعبين التونسي والمصري.
وإذ يتفجر "ربيع حرية العرب" بأيدي العاديين الصادقين من الناس، تبدو هذه القوى عصية على أي تغيير، متشبثة بكل معاييرها المزدوجة المستهينة بإرادة الشعوب العربية وإنسانيتها. فالمعارضة "التقليدية" التي قفزت قفزاً إلى أول صفوف المطالبين بالإصلاح والديمقراطية في بلدانها، ماتزال تعتبر أنها تملك الوصاية على الشعوب الأخرى، بحيث يحق لها انتقاء من توجه إليه التحذير من القادة للاتعاظ من درسي تونس ومصر، ومن تلزم الصمت حياله. ولا يُخجل حتى مشايخها إطلاق فتاوى "جريئة!" بشأن الحرية والكرامة، بعد أن يتم تفصيلها على المقاس بحيث لا تقبل تعميماً قد يمس حليفاً "قومياً" أو "إسلامياً". ويصل الأمر أدنى مراتبه بتصاعد انتقاد بل وتخوين البعض للثوار الليبيين اليوم بسبب اتصالات مع الدول الغربية، من دون حتى مجرد تفكير هؤلاء "الديمقراطيين في بلدانهم فقط" في عقد اجتماع يكون للمرة الأولى غير مخصص للتصفيق والهتاف، بل لتقديم أي دعم ممكن للثوار وحقن دماء الشعب الليبي.
هذا رغم أن العقيد معمر القذافي ذاته قد كفى الجميع عناء تكرار أن الديكتاتورية هي الحليف الأمثل لإسرائيل ولكل عدو؛ إذ حذر الزعيم القومي الثوري في مقابلة تلفزيونية، قبل أيام، من أنه "إذا نجحت "القاعدة" في الاستيلاء على ليبيا، فإن المنطقة بأسرها حتى إسرائيل ستقع فريسة للفوضى".
فهل أن المعارضة العربية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية في بلدانها، والمتواطئة مع الديكتاتوريات العربية في الخارج، لم تكن تعرف أو تدرك هكذا بدهية؟ حتماً هي تعرف، وليكن السؤال الحقيقي الذي يستوجب الإجابة: أي ثمن بخس يتقاضى هؤلاء لتواطئهم؟!
منقووول... 
           http://www.futuresons.com/
عن/منار الرشواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق