13‏/03‏/2011

الثورات فى الشرق الاوسط بين الرؤيه والاستراتيجيه..

الثورة عادة هي‮ ‬اداة من‮ ‬أدوات التغيير في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وتتسم الثورات بأنها مفاجأة،‮ ‬وان كان لها ارهاصات وشواهد تسبق الانفجار الثوري،‮ ‬وهي‮ ‬جماهيرية وان قادتها نخبة من الناشطين السياسيين أو الايديولوجيين،‮ ‬وهي‮ ‬تدعو للتغيير الجذري،‮ ‬وان بدأت حركة مطلبية،‮ ‬فانها سرعان ما تتحول لحركة للتغيير الشامل،‮ ‬ولكن كما‮ ‬يقال‮: ‬ليس كل ما‮ ‬يتمني‮ ‬المرء‮ ‬يدركه،‮ ‬فإن بعض الثورات تواجه نكسات‮ ‬أو ثورات مضادة،‮ ‬وكثير من الثورات لا تحقق أهدافها في‮ ‬المدي‮ ‬القريب،‮ ‬رغم انها في‮ ‬المدي‮ ‬البعيد تحدث تغييراً‮ ‬جذرياً‮ ‬في‮ ‬حركة المجتمع‮.‬
وتعاني‮ ‬كثير من الثورات من ثلاث نواقص‮: ‬البعد الاستراتيجي‮ ‬المستقبلي‮ ‬بمعني‮ ‬أن الثورة باعتبارها حركة جماهيرية تدعو للتغيير الشامل تقع في‮ ‬مأزق الزهو والغرور،‮ ‬خاصة اذا واجهت نظما ضعيفة،‮ ‬وانهارت تلك النظم بسرعة،‮ ‬ومن ثم تتصور الحركة الثورية ان عملها أمر سهل،‮ ‬وان تغيير المجتمع مسألة بسيطة،‮ ‬وهنا‮ ‬يظهر المأزق الأول أو النقص الأول وهو النظرة المستقبلية لتطور المجتمع،‮ ‬فكما هو معروف ان تغير المجتمع ثقافياً‮ ‬واجتماعيا ليس مسألة سهلة مثل التغيير الشكلي‮ ‬أو التغيير القانوني‮ ‬أو التغيير التكنولوجي،‮ ‬فاستيعاب المجتمع باعتباره أفرادا لعملية التغيير أقل سرعة من استيعابه للتكنولوجيا،‮ ‬ولعل أبسط نموذج علي‮ ‬ذلك من قبيل التشبيه هو شراء سيارة وقيادتها مقابل تفكيك السيارة واعادة تركيبها‮. ‬فهنا ندخل في‮ ‬صناعة السيارة أو صناعة المجتمع،‮ ‬وهذا البعد الاستراتيجي‮ ‬المستقبلي‮ ‬يحتاج لتطور التركيبة الذهنية والسلوكية للمجتمع بمعني‮ ‬انه‮ ‬يحتاج لوقت‮. ‬ومن هنا برز في‮ ‬الفكر السياسي‮ ‬الثوري‮ ‬ما عرف بنوعين من المراهقة اليسارية من ناحية،‮ ‬واليمينية من ناحية أخري،‮ ‬وكذلك حركات التطهير الثورية،‮ ‬وجدنا ذلك بوضوح كبير في‮ ‬الثورة الصينية‮ ‬وفي‮ ‬الثورة الروسية وأيضاً‮ ‬في‮ ‬الثورة الفرنسية‮.‬
النقص الثاني‮ ‬في‮ ‬الحركة الثورية هو نقص الايديولوجية أو العقيدة السياسية‮. ‬فكثيرمن الثورات بما في‮ ‬ذلك الانقلابات العسكرية التي‮ ‬تتحول الي‮ ‬ثورات مثل انقلاب‮ ‬1952‮ ‬في‮ ‬مصر انقلاب‮ ‬1958‮ ‬في‮ ‬العراق وهما من أشهر الانقلابات العسكرية‮ ‬التي‮ ‬تحولت الي‮ ‬ثورات في‮ ‬المنطقة العربية،‮ ‬فضلا عن انقلاب‮ ‬1962م في‮ ‬اليمن وانقلاب‮ ‬1969م في‮ ‬ليبيا،‮ ‬وهما تحولا الي‮ ‬ثورات ولكن جوانبهما السلبية أكثر من ايجابياتهما،‮ ‬وبرز فيهما مثل الانقلابيين في‮ ‬مصر والعراق بصورة واضحة نقص البعد الايديولوجي‮ ‬المتكامل‮.‬
البعد الثالث الذي‮ ‬يمثل نقصا في‮ ‬العمل الثوري‮ ‬هو البعد القيادي‮. ‬فالثورة الفرنسية علي‮ ‬سبيل المثال،‮ ‬وهي‮ ‬من أشهر الثورات العالمية التي‮ ‬لم تتوافر لها قيادة محددة،‮ ‬واستمر الصراع بين قياداتها عدة سنوات،‮ ‬حتي‮ ‬وصلت القيادة‮ ‬لنابليون بونابرت الذي‮ ‬انطلق بها الي‮ ‬حركة توسعية في‮ ‬أوروبا،‮ ‬وتوسعية في‮ ‬الخارج،‮ ‬اتصالا بالتنافس الأوروبي،‮ ‬ولذلك قام بحملته لغزو مصر عام‮ ‬1798،‮ ‬وانتهي‮ ‬به الأمر‮ ‬لصراعه مع القوي‮ ‬الأوروبية،‮ ‬دون تخطيط،‮ ‬ودون رؤية واضحة دون دراسة لتوازن القوي‮ ‬الأوروبية بينه وبين خصومه الي‮ ‬اخفاق الثورة الفرنسية،‮ ‬ونفي‮ ‬نابليون الي‮ ‬سانت هيلانة وموته هناك‮.‬
بعبارة‮ ‬أخري،‮ ‬فإن انعدام وجود قيادة واضحة وايديولوجية متكاملة ونظرة استراتيجية ترتبط بالأولويات‮ ‬وتحددها بوضوح‮ ‬يمثل أكثر مثالب اية حركة ثورية،‮ ‬ومن هنا نجد كثيرا من الحركات الثورية تنجح علي‮ ‬المدي‮ ‬البعيد مثل الثورة الكوبية أو الثورة الصينية أو الثورة الروسية،‮ ‬ومع هذا فإنها تخفق ايضا علي‮ ‬المدي‮ ‬الاستراتيجي‮. ‬ولعل مرجع ذلك،‮ ‬هو عدم قدرة الثورة والثوار علي‮ ‬رسم خريطة متكاملة للعمل الثوري‮ ‬تعتمد منهج الاطار الزمني‮ ‬والتغير الجذري‮ ‬للمجتمع بما‮ ‬يحقق طموحاته‮.‬
ولعلنا نتذكر أن الثورة في‮ ‬احد تعريفاتها هي‮ ‬تغيير جذري‮ ‬في‮ ‬المجتمع،‮ ‬هذا التغيير‮ ‬يعتمد علي‮ ‬خطوتين رئيسيتين هما‮: ‬تدمير القديم وانشاء الجديد‮. ‬الخطوة الأولي‮ ‬سهلة مثل نزول‮ ‬السلم أو الوقوع من سفح جبل،‮ ‬بينما الخطوة الثانية صعبة مثل صعود السلم أو تسلق الجبل‮. ‬إن تطرد كل موظف أو مسئول من موقعه سهل للغاية،‮ ‬أما أن‮ ‬يصل الي‮ ‬منصبه ويمارس عملا‮ ‬يحقق نتيحة ايجابية فان ذلك بالغ‮ ‬الصعوبة ويحتاج لوقت وجهد وفكر وعلم،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يؤدي‮ ‬الي‮ ‬اخفاق كثير من الثورات،‮ ‬وحدوث ما‮ ‬يطلق عليه الثورة المضادة،‮ ‬وبما أن التعريف الأكثر دقة للثورة هو ليس تغيير‮ ‬المجتمع وانما تغييره نحو الأفضل بما‮ ‬يرفع من مستوي‮ ‬معيشة أفراده ويعزز أبنيته ويحقق له التقدم‮. ‬اذن هناك ثلاثة مقومات للحكم علي‮ ‬العمل الثوري‮ ‬من المنظور الاستراتيجي‮. ‬حدوث التغيير وأن‮ ‬يكون هذا التغيير نحو الأفضل،‮ ‬وان‮ ‬يحقق مصلحة المجتمع ورفاهية أفراده‮. ‬وهنا تقع كثير من الثورات وخاصة الحركات المطلبية في‮ ‬الخطأ الجسيم،‮ ‬إذ تقوم بإعادة توزيع الثروة كخطوة اولي‮ ‬ثم تتوقف في‮ ‬حين ان المطلوب هو تعميق وتعزيز مفهوم انتاج الثروة،‮ ‬الأولي‮ ‬هي‮ ‬افقار الأغنياء والثانية هي‮ ‬اغناء المجتمع ككل‮. ‬الأولي‮ ‬تؤدي‮ ‬الي‮ ‬تراجع الانتاج وتراجع قيمة العمل في‮ ‬حين أن الثانية تعزز الانتاج وتزيده‮. ‬ولعلنا نأخذ تجربة الثورة الصينية عام‮ ‬1949‮ ‬ونقارنها بالحركة الاصلاحية التصحيحية،‮ ‬والتي‮ ‬يمكن أن نطلق عليها ثورة دنج سياوبنج عام‮ ‬1978‮ ‬أو المرحلة الثانية الحقيقية للثورة الصينية‮. ‬المرحلة الأولي‮ ‬في‮ ‬عهد ماوتسي‮ ‬تونج أدت الي‮ ‬اعادة توزيع الثروة،‮ ‬ومن ثم فرح الجميع بها،‮ ‬ولكن سرعان ما اكتشفت القيادة‮ ‬أنها لم تحقق ما كانت ترجوه،‮ ‬فاندفعت في‮ ‬قرارات جلبت الكوارث علي‮ ‬الصين،‮ ‬مثال الثورة الثقافية البرولتيارية العظمي‮ ‬التي‮ ‬استمرت زهاء عشر سنوات،‮ ‬وقبلها حركة الاصلاح عام‮ ‬1958‮ ‬التي‮ ‬جلبت كوارث اقتصادية،‮ ‬وهكذا تفاعلت الكوارث الاقتصادية،‮ ‬وشبح المجاعة،‮ ‬ونقص الغذاء لنقص الانتاج،‮ ‬مع الحقد الطبقي،‮ ‬والصراع السياسي،‮ ‬فأحدثت في‮ ‬الصين كارثة،‮ ‬وأكلت الثورة كثيراً‮ ‬من قياداتها لصالح عبادة الفرد وسيطرته‮. ‬بخلاف المرحلة الثانية التي‮ ‬قادها دنج سياوبنج فزاد الانتاج،‮ ‬وتحسنت التكنولوجيا وتحولت الصين خلال ثلاثة عقود لتصبح القوة الاقتصادية الثالثة في‮ ‬العالم،‮ ‬وبعدها بعامين أصبحت القوة الاقتصادية الثانية‮. ‬في‮ ‬حين ان الاندفاعة الثورية في‮ ‬كوبا علي‮ ‬سبيل المثال أدت بها الي‮ ‬العزلة والفقر،‮ ‬وان كان إحدي‮ ‬ايجابياتها هي‮ ‬انتشار التعليم،‮ ‬وهذا ايضا ما حدث في‮ ‬الصين في‮ ‬المرحلة الثورية الأولي‮ ‬في‮ ‬عهد ماوتسي‮ ‬تونج،‮ ‬ولعل المقولة المهمة لفيلاديمير لينين،‮ ‬ان الثورة هي‮ ‬انتاج الكهرباء،‮ ‬بمعني‮ ‬أن النور الفكري‮ ‬والمادي‮ ‬والتطور الصناعي‮ ‬والانتاج هو أهم من الشعارات والتحركات والهتافات،‮ ‬أي‮ ‬العمل هو الركيزة الأولي،‮ ‬نقول ان هذه المقولة تدل علي‮ ‬عمق رؤية لينين،‮ ‬وهو ما أخذ به ستالين جزئياً،‮ ‬وأن ننسي‮ ‬الجزء الآخر من مفهوم الثورة وهو نقل المجتمع الي‮ ‬الأفضل،‮ ‬فأشاع الرعب‮ ‬والخوف والقمع في‮ ‬المجتمع رغم ما حققه من زيادة انتاج للدولة ككل،‮ ‬ولكن‮ ‬انخفاض مستوي‮ ‬المعيشة ادي‮ ‬الي‮ ‬الاحباط بل بعد‮ ‬70‮ ‬عاما تراجعت الشيوعية وانهارت في‮ ‬روسيا وفي‮ ‬شرق أوروبا لمصلحة الرأسمالية‮.‬
وهنا ننظر للبعد الاستراتيجي‮ ‬للثورة،‮ ‬وهو ضرورة بناء مؤسسات علي‮ ‬أسس راسخة وعدم تغييرها لمصلحة الفرد أو طبقة والضرورة الثانية المتصلة بفهم تطور المجتمع،‮ ‬هو أن المجتمع سيظل تسوده الطبقات المتحركة،‮ ‬وليس الجمود الطبقي،‮ ‬أي‮ ‬مفهوم الحركية الاجتماعية،‮ ‬ويصبح الانتقال من طبقة لأخري‮ ‬نتيجة المعرفة والمهارة والتعليم،‮ ‬وليس نتيجة النفاق والمداهنة أو الانتماء الأسري‮ ‬أو الي‮ ‬شلة أو جماعة أو طائفة،‮ ‬والضرورة الثالثة لنجاح أية ثورة،‮ ‬هي‮ ‬تحولها‮ ‬الي‮ ‬قوة مجتمعية بمعني‮ ‬رفعها شعارات وتنفيذ ذلك بما‮ ‬يحقق مصلحة كل فئة من فئات المجتمع،‮ ‬أما إذا تحولت الثورة الي‮ ‬مفهوم الطبقة فقط أو الدين فقط أو الطائفة فقط،‮ ‬فانها تؤدي‮ ‬الي‮ ‬الصراع الطبقي‮ ‬أو الطائفي‮ ‬أو الديني،‮ ‬وتفقد كونها حركة مجتمعية،‮ ‬وهذا‮ ‬يعيدنا لمفهوم الايديولوجية الثورية،‮ ‬وإلي‮ ‬القيادة وإلي‮ ‬البعد المستقبلي‮.‬
منقووول...د.محمد نعمان جلال
http://www.futuresons.com/

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق